سيد محمد طنطاوي

493

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

عليهم ليعلم هؤلاء الناس عن طريق المعاينة والمشاهدة ، * ( أَنَّ وَعْدَ اللَّه ) * بالبعث * ( حَقٌّ ) * وصدق وليعلموا كذلك أن الساعة ، أي القيامة ، آتية لا ريب فيها ، ولا شك في حصولها ، فإن من شاهد أهل الكهف ، وعرف أحوالهم ، أيقن بأن من كان قادرا على إنامتهم تلك المدة الطويلة ثم على بعثهم بعد ذلك . فهو قادر على إعادة الحياة إلى الموتى ، وعلى بعث الناس يوم القيامة للحساب والجزاء . وقد ذكروا في كيفية اطلاع الناس عليهم روايات ملخصها : أن زميلهم الذي أرسلوه بالدراهم إلى السوق ليشتري لهم طعاما عندما وصل إلى سوق المدينة ، عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام ، فدفع إليه ما معه من نقود لكي يأخذ في مقابلها طعاما ، فلما رأى البائع النقود أنكرها - لأنها مصنوعة منذ زمن بعيد - وأخذ يطلع عليها بقية التجار ، فقالوا له : أين وجدت هذه الدراهم ؟ فقال لهم : بعت بها أمس شيئا من التمر ، وأنا من أهل هذه المدينة ، وقد خرجت أنا وزملائى إلى الكهف خوفا من إيذاء المشركين لنا ، فأخذوه إلى ملكهم وقصوا عليه قصته . فسر الملك به ، وذهب معه إلى الكهف ليرى بقية زملائه فلما رآهم سلم عليهم . . ثم أماتهم اللَّه - تعالى - » « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما كان من أمرهم بعد وفاتهم واختلاف الناس في شأنهم ، فقال : * ( إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ، فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) * . والظرف « إذ » متعلق بمحذوف تقديره : اذكر ، و « يتنازعون » من التنازع بمعنى التخاصم والاختلاف ، والضمير في « أمرهم » يعود إلى الفتية . والمعنى : لقد قصصنا عليك - أيها الرسول الكريم - قصة هؤلاء الفتية . وبينا لك أحوالهم عند رقادهم ، وبعد بعثهم من نومهم ، وبعد الإعثار عليهم ، وكيف أن الذين عثروا عليهم صاروا يتنازعون في شأنهم . فمنهم من يقول إنهم وجدوا في زمن كذا ، ومنهم من يقول إنهم مكثوا في كهفهم كذا سنة ، ومنهم من يقول نبنى حولهم بنيانا صفته كذا . ويجوز أن يكون الضمير في « أمرهم » يعود إلى الذين أطلعهم اللَّه على الفتية ، فيكون المعنى : اذكر وقت تنازع هؤلاء الذين عثروا على الفتية وتخاصمهم فيما بينهم ، حيث إن بعضهم كان مؤمنا . وبعضهم كان كافرا ، وبعضهم كان يؤمن يبعث الأرواح والأجساد ، وبعضهم كان يؤمن ببعث الأجساد فقط .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 142 .